Friday, October 19, 2007

يهودالدونمة فى مصر

( لقد خرج يهود الدُّونَمَة من الأندلس بعد سقوطها في 1492م واستقروا في تركيا حتى إلغاء الخلافة الإسلامية في 3 مارس 1924م .. ليتجهوا بعد ذلك صوب مصر) .. كان الله ثالثنا عندما قال لي الشيخ العلاّمة هذه الكلمات المرعبة ونحن في منزله على هامش حوار صحفي طويل لم يُنشر !!
وكلمة (الدُّونَمَة) تعني بالتركية (الرِّدّة) وهم جماعة من اليهود الذين أسلموا ظاهراً وسكنوا منطقة الغرب من آسيا الصغرى.. ونجحوا في إخراج الإسلام من الأندلس وكسروا القاعدة الذهبية التـي تقول إن الإسلام ما دخل أرضاً إلا واستقر فيها.. وكانت الطامة الكبرى في نجاح أحد أفرادهم في الوصول لكرسي الحكم في الدولة العثمانية.. ليلغي الخلافة الإسلامية.. والحروف العربية.. والأذان.. وتصبح تركيا على يد ” كمال أتاتورك“ شوكة في ظهر العالم الإسلامي بعد أن كانت مركزاً للخلافة.
ص أصل الدُّونَمَة الحديثة:
ولد (سباتاي زيفي) في يوليو 1626م بمدينة أزمير التركية من أبوين يهوديين مهاجرين من (أسبانيا) .. وكان شغوفاً منذ حداثة سِنِّه بمطالعة الكتب الدينية.. ذكياً واعياً.. وفي 1648م ادّعى (سباتاي) النبوة فصدّقه بعض أصدقائه واتبعوه.. وظل يجوب أنحاء تركيا.. وبدأ يتجاوز اليهود إلى غيرهم من الطوائف وفئات الشعب.. وهنا شعرت السلطة العثمانية بالخطر .. فصدر الأمر بإلقاء القبض عليه .. ولكي ينجو من عقوبة الإعدام التـي تنتظره أعلن إسلامه.. وكانت تلك هي بداية (دَوْنَمَة) تركيا بعد القضاء على الإسلام في الأندلس ..
” تقدم سباتاي زيفي (محمد أفندي عزيز) إلى المفتي يطلب السماح له بدعوة اليهود إلى الإسلام.. فلما حصل له ما أراد ؛ استأنف دعوته السابقة مستهدفاً تأسيس مذهبه الجديد، المسلم في الظاهر ، اليهودي في الباطن.. فجاءه الأتباع من كل مكان.. ولبسوا الجبب والعمائم “
لم تنته دعوة الدُّونَمَة بموت (سباتاي زيفي) في 30 سبتمبر 1675م فقد واصل أتباعه المسيرة.. تعلن عنهم الأزياء الغريبة التـي يرتدونها.. فالنساء
لا ينتعلن غير الأحذية الصفراء.. والرجال يضعون على رؤوسهم قبعات صوفية بيضاء لُفّت عليها عمائم خضر.. وكانوا لا يصومون ولا يهتمون بالاغتسال. وقد تولى (يعقوب الجلبي) الذي استقرت عائلته في العراق فيما بعد – تولى رئاسة الدُّونَمَة بعد (سباتاي زيفي) ثم حدث أول انقسام في طائفة الدُّونَمَة بزعامة (مصطفى الجلبي) أحد أقاربه ، وكان ذلك بعد مرور 14 عاماً على موت (زيفي) وهكذا توغل سرطان الدُّونَمَة في المجتمع الإسلامي.. يوزعون الأدوار فيما بينهم.. ويرسلون عائلات منهم لتستقر في بلدان إسلامية لتنخر فيها كما ينخر السوس في الخشب الهش.. يلبسون زِيّ المسلمين زوراً.. مسلمون في الظاهر.. يهود في الحقيقة .. فهم حفدة ابن سلول وابن سبأ ومسيلمة الكذاب...

لم يترك يهود الدُّونَمَة شبراً من أرض الإسلام .. يركزون دائماً على ثلاثة ميادين: الإعلام !! والاقتصاد !! والسلطة !!! ولا عجب أن ترى أحمد أو محمد أو عبدالله .. يهاجمون ثوابت الإسلام بضراوة ويدعون إلى التحلل الأخلاقي والحرية الجنسية..

وقد ضحكتُ طويلاً عندما قرأت للأستاذ/ محمد علي قطب – أن يهود الدُّونَمَة هاجموا بعنف حجاب المرأة المسلمة !! .. إن ما تقوله أقلام العلمانيين في هذا الأمر الآن ليس جديداً .. فالعرق دساس .. واقرءوا ما لم يُنشر عن تاريخ عائلة (قاسم أمين) التركية !! وجذور (برويز مشرف) حاكم باكستان..

والحقيقة أن زحف يهود الدُّونَمَة إلى مصر بدأ مبكراً في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وقبل سقوط الخلافة الإسلامية بأكثر من مائتي سنة..
إن وجود يهود الدُّونَمَة في مصر (واقع) تعرفهم من أفكارهم وأعمالهم.. والأمر لا يحتاج إلى جهد أو ذكاء شديد.. فلا فرق بين كوهين وعزرا وناحوم .. ومحمود أمين أو زكي جمعة أو عبدالمنعم سعيد أو عائشة سعيد أو محمد الباز.. ومحمد المصري – على سبيل المثال .. فالدُّونَمَة عندنا هي العلمانية وأيتام الشيوعية وأرامل الماركسية.. والمسميات التـي انبثقت من الأصل المرعب لا تغيّر شيئاً.. ولم تعد تنطلي حتى على البلهاء من بني جلدتنا.. فالأمر خطير ، والقضية تحتاج إلى باحث واعٍ ومتفرغ يعمل بسريّة تامة حتى لا يفقد حياته سريعاً كما حدث مع الذين حاولوا من قبل.. وقفزات الدُّونَمَة الهائلة في المجتمع الإسلامي جعلت المستحيل ممكناً.. والثوابت وجهات نظر.. فالدونمي قد يكون صديقك أو جارك.. أو هذا الصحفي.. أو تلك المطربة.. وقد تراه جالساً على كرسي الأزهر !

التنجيم السينمائي واللعبة القذرة

في 28 ديسمبر 1895 (بباريس) ظهر للدنيا أول عرض سينمائي تجاري صامت، وصار حديث الناس في أنحاء المعمورة.. حتى انطلقت السينما الناطقة وسيطرت على مفردات الحياة الاجتماعية والسياسية تماماً.. ولم تكن جماهير السينما وعشاق (الفن السابع) قد أدركوا حقيقة الأمر مع انتصاف القرن العشرين.. فالفيلم السينمائي لم يكن قد وصل إلى مرحلة النضج بعد .. والرؤية ضبابية وغير مكتملة.. ولم يكن حتى بعض نجوم الفن يدركون أن السينما لعبة مخابرات.. وتوجيه.. وسياسة.. وأنها ظهرت وانتشرت على يد أثرياء اليهود الذين وضعوها على رأس (البروتوكولات) الشهيرة لتحقيق مآربهم والتمهيد لأهدافهم.. فظهرت السينما في مصر أيضاً على يد يهود.. استطاعوا بنجاح كبير أن يضعوا السمّ في العسل وأن يشيعوا بين المصريين بعض المصطلحات والألفاظ التي تناقض ثوابت العقيدة وعادات المجتمع بداية من (شبشب زنوبة وخدّوجة!!) حتى أفلام الانحلال .. وبدلة الرقص! .. وعندما يظهر (علي الكسار) في فيلم (سلفني 3 جنيه) أثناء مباراة للملاكمة وخلفه نجمة داود فهي ليست مصادفة.. فاستغلال نجوم الفن المصري بواسطة المنجّمين والمخرجين اليهود الذين كانوا يفهمون اللعبة جيداً.. ابتداءً من داود حسني والمخرج توجو مزراحي حتى ليلى مراد ــ التي أسلمت بعد ذلك ــ ومنير مراد وراقية إبراهيم (التي مثلت مع عبدالوهاب في فيلم الوردة البيضاء) وكانت تعمل مع الموساد الإسرائيلي.. ثم النجم الشهير (ميشيل شلهوب) الذي أعلن إسلامه كي يتزوج من الممثلة فاتن حمامة وسمى نفسه (عُمر الشريف) وقد ارتدّ بعد طلاقه من الممثلة المذكورة لكنه لم يعد للديانة اليهودية أو غيرها!!!
كان هذا الاستغلال في تلك الفترة سمة رئيسية .. حتى قيام ثورة 1952 لتنتقل السينما المصرية إلى التبعية الشيوعية ثم الاشتراكية وأخيراً في براثن الأمركة التي فاقت كل أخطار الدنيا مجتمعة !!!
بدأت لعبة التنجيم السينمائي في 1913 بفيلم (حياة اليهود في أرض الميعاد) ثم (زوجة الهندي) في نفس العام.. وفي 1927 ظهر فيلم (ملك الملوك) وتوالت هذه السلسلة من هوليود تبشر اليهود بالعودة إلى أرض الميعاد (فلسطين) وتمهد الأرض لما سيحدث في 1948 !!
بدأت السينما الإسرائيلية تخطو أولى خطواتها في 1949 بفيلم (التل 24
لا يرد) ويتحدث عن قيام إسرائيل وحقها المشروع في الأرض ! ثم كانت مجموعة الأفلام التي تدعو إلى التوسع وأكذوبة من النيل للفرات في (غيوم فوق إسرائيل) 1956 و (التوراة في البداية) 1966 ، و (حائط أورشليم) 1969... وقد تحققت سيناريوهات هذه الأفلام على أرض الواقع.. وخطوة للوراء في 1932 عندما ظهر فيلم (عازف الكمان على السطح) لم يحقق أي نجاح سينمائي ولكن أحداث الفيلم التي تحكي عن هجرة اليهود السوفيت إلى إسرائيل والتفاصيل التي نعرفها جميعاً عن أحداث هذا التهجير وما صاحَبَه من ضجة إعلامية عالمية.. طابق السيناريو الواقع !
إنه التنجيم العصري الذي لا يقرأ الكف ولا الفنجان وإنما يروّض شاشات السينما لتمهد للأحداث الـمُعدّة سلفاً.. ليرى رد الفعل الذي يبنى عليه خططه المستقبلية.. لكن على أرض الواقع.. فلم يكن فيلم (الصعود إلى القمر) الذي سبق صعوده الفعلي بأقل من عام مجرد مصادفة.. ولم يكن ظهور الفيلم الأمريكي (الوباء) قبل ظهور مرض (الإيبولا) بثمانية أشهر فقط – مجرد خيال علمي مأخوذ عن قصة المؤلف الأمريكي (ريتشارد بيترسون) منطقة الخطر.... ولم يكن فيلم (ذيل الكلب) الذي سبق أحداث كلينتون ومونيكا ويحكي عن رئيس أمريكي يريد تغطية فضائحه الجنسية بضرب دولة إسلامية.. أيضاً مصادفة.. فقد تم ضرب عدة مناطق بالسودان ومنها مصنع الأدوية الذي أثار تدميره غضبة كبيرة .. أما فضيحة الرئيس الأمريكي وحكاية (مونيكا) فهي معروفة للجميع.
ويُعرض بالولايات المتحدة منذ سبتمبر 1998 فيلم عن الإرهاب.. يحكي بأن أمريكا قد انتشر فيها الإرهاب بصورة كبيرة فأصدرت الإدارة الأمريكية قراراً بالقبض على كل من يقول لا إله إلا الله داخل الولايات المتحدة الأمريكية.. وإنا لمنتظرون!
في 1986 ظهر فيلم (خماسين) وحقق نجاحاً منقطع النظير في الأوساط اليهودية ونال جائزة الليكود للثقافة الكبرى وكانت فكرة الفيلم تقول : (إن إسرائيل نجحت في التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين. ولكن الشعب الإسرائيلي بعد ذلك شعر بخطورة الأمر فتتحرك مجموعة منهم لإنقاذ إسرائيل ويقومون بعمليات عنف وإرهاب كبرى فيعمّ الذعر الأرض المحتلة ويفر الفلسطينيون إلى البلاد العربية ليفسحوا الطريق لليهود الجدد من أنحاء العالم!!! ) ..
أما الطامة الكبرى والتي سيتوقف عندها التاريخ طويلاً .. ما حدث في الغزو العراقي للكويت.. في العدد 353 من مجلة العربي الكويتية – وهذا العدد في مكتبتي – إبريل 1988 موضوع بعنوان (العربيّ كما تراه هوليود) للكاتب اللبناني (د/ جاك شاهين) يسخر فيه من فيلم أمريكي ظهر في 1984 اسمه (الدفاع الأفضل) يصور كيف يقوم الجيش العراقي بمهاجمة الكويت وطريقة السلب والنهب.. وأن الكويت استنجدت بأمريكا لحمايتها.. حتى إن الفيلم ذكر تفاصيل هروب السيارات الكويتية في الصحاري السعودية والأردنية !! ومعاناة هذه السيارات في الرمال.. وذكر الفيلم تفاصيل دقيقة حدثت بعد ذلك في اليوم الثاني من أغسطس 1990 وما بعده تماماً !! وهكذا يكون التنجيم السينمائي الأمريكي القذر والمدروس في منطقتنا العربية والإسلامية على مرأى ومسمع من الجميع وبشكل يدعو للأسى بعد أن أصبحت خريطتنا صيداً سهلاً لكل المنجمين.. وبلا استثناء.. فعندما يظهر فيلم مثل (دراكولا) 1999 للمخرج الأمريكي (فرانسيس فورد كوبولا) يُقدم من خلال رؤية سينمائية .. مفهوم (صِدام الحضارات) لـ صمويل هنتنجتون الذي يجعل من الإسلام العدو الأوحد والخطر المدمر بعد زوال الشيوعية.. وبعد أن أطلق مخرج الفيلم كلماته التي تحمل الكثير (الفيلم السياسي لا يناقش السياسة، بل هو الفيلم الذي يغيّر رأي الناس تجاه موضوع محدد) .. كل ذلك يجب أن يجعلنا نعي جيداً أننا أصبحنا الهدف... والغزال الذي تلاحقه كل كلاب الصيد.. فماذا نحن فاعلون؟!!

هاشم الرفاعى..بين التهويل والتهوين

لم يدر بخلدي قبل صيف 1995 الملتهب أن هناك من يشاركني هوايتي الغريبة وأنني لست المجنون الوحيد الذي يستخدم وسائل المواصلات داخل القاهرة والاستيلاء على مقعد في (الأتوبيس) بالساعات ــ من أجل القراءة والقراءة فقط ــ وأن (الأتوبيس) المتجه من وإلى المطار به مجانين مثلي..
كانت الساعة قد تخطت الخامسة بقليل ــ بتوقيت القاهرة الصيفي ــ والشمس تنكسر حدتها ببطء شديد ، ونهار الصيف المؤلم يصارع الليل حتى لا يجيء ، والحافلة تنطلق.. تخرج من الشرنقة.. تودع الأذن ضجيج القاهرة بالتدريج.. تطل نسمات صحاري مصر الجديدة ــ المطار .. يفاجئني صاحب المقعد المجاور لي باستفهام أفزعني : ( هاشم الرفاعي ؟!!) .. كاد الكتاب أن يسقط من يدي.. هبطتُ على أرض الواقع بعد أن سرقني هذا الكتاب من الزمن.. أجبته متلعثماً: نعم .. ولكن ابتسامته الهادئة لم تلبث أن تلاشت معها كل هواجسي..
ــ (ماذا تعرف عنه؟! ) .. تأملت ملامحه جيداً لأول مرة وامتطيت نرجسيتي لأستعرض عضلاتي الثقافية بعد أن أثارها باستفهامه التهكمي..!!
ــ كتبتُ عنه موضوعاً لإحدى المجلات العربية أقرب إلى التحقيق منه إلى المقال ولم ينشر.. فمدير مكتب المجلة في القاهرة قال لي كعادته (إنت مش حترتاح إلا لما تقفلها وبعدين نبيع بطاطا).. يضحك صاحبي بصوته ــ وكأنني قلت نُكتة ــ ثم يقول : هؤلاء المدراء يجاملون تلك المجلات العربية على حساب بلدهم والكثير منهم تخطى سن الخمسين ومازالوا في عداد النكرات.. ولكن (هاشم الرفاعي) توفي وهو طالب بالفرقة الثالثة بكلية دار العلوم ، وكما ترى أبدعَ وسطّر حروف اسمه بحروف من نور في سجل المبدعين..
ــ دعنا من الصحافة وهمومها وقل لي أنت من هو (هاشم الرفاعي) ؟!!
كان الأتوبيس قد وصل إلى محطته الأخيرة ــ موقف مطار القاهرة الجديد ــ ويستعد ليعاود الكَرّة من جديد.. والقادمون من مختلف بلدان العالم يُقبّلون ربوع المكان، والمسافرون يغسلون بدموعهم آلام الغربة القادمة.. وصديقي الجديد يفتح صندوق الدنيا ويسرقني من عامليْ الزمان والمكان لنتجول سوياً في عالم (هاشم الرفاعي) نتفيّأ ظلال ذكراه.. يا عُشب الذاكرة الأخضر.. ويا ماء الحياة الأزهر..
وُلد (هاشم جامع هاشم الرفاعي) في أنشاص الرمل ــ التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية في 15 مارس 1935م/1354هـ في أسرة مسلمة متدينة.. حفظ القرآن صبياً في كُتّاب القرية.. ثم يلتحق بعدها بكلية (دار العلوم) بالقاهرة ولم يكن (هاشم الرفاعي) مُجرد طالب موهوب.. بل كان مُسلماً متديناً حتى النخاع.. دانت له اللغة العربية فأصبحت طوع بنانه.. فإذا به ملء السمع والخاطر بطول البلاد وعرضها.. حيث انطلق كفارس من فرسان الشعر الجدد وذاع صيته في مهرجانات القاهرة ودمشق ــ وهو في العشرين ــ وقد تم اختياره طالباً مثالياً للجمهورية عام 1959م ..
كان هاشم الرفاعي شاباً متمرداً على السلبيات المألوفة ، يؤمن بأن الوطن لم يبتسم بعد والحرية حمامة مذعورة قصّوا أجنحتها.. ولذا هاجم (رجال الثورة) وهاجم (جمود الأزهر) وتم فصله أكثر من مرة من (المعهد الأزهري ودار العلوم) التي التحق بها فيما بعد.. وقد كتب وهو في الصف الأول الثانوي الأزهري قصيدته التي فُصِل بسببها عاماً كاملاً:
قُم في ربوعِ المجدِ وابكِ الأزهَرَا
واندُبْه روضاً للمكارمِ أقفرا

ولولا تدخل (محمد أنور السادات) رئيس مجلس الأمة حينذاك لتم فصله نهائياً.. والعلاقة بين (الرئيس السادات) و (هاشم الرفاعي) حيرت كل المهتمين بالأدب ومازال النقاد يلهثون ليعرفوا سر العلاقة بين الشاعر المتمرد وبين الزعيم (السادات).. وبالرغم من تمرد (الشاعر الدرعمي) على رجال الحكم حينذاك.. إلا أن الأمانة الأدبية تقتضي أن نقول: إن كمال الدين حسين ــ وزير التعليم ــ بذل الكثير من الجهد كي يروّض هذا الشاعر الشاب المتمرد.. فقد وجد الوزير في (هاشم الرفاعي) ضالته ووجد فيه الأمل الذي سيعيد (راية الشعر) إلى (مصر) بعد أن استقرت في (لبنان) بعد رحيل (شوقي) و (حافظ) .. وكان الوزير على وشك النجاح بإعادة الراية وتتويج (الرفاعي) أميراً جديداً لكن القدر أراد شيئاً آخر.. فقبل أن يُكمل (الشاعر) دراسته بكلية دار العلوم عاجلته المنيّة على أيدي بعض الحاقدين.. واستشهد الشاعر العظيم وهو مازال طالباً في الجامعة في 1 يوليو 1959 وهو لم يكمل الرابعة والعشرين.. أبدع فيها ما أبدع بالرغم من مشاكل إبعاده عن الدراسة وفقده لعامين بسب الفصل والمطاردة..
كان هاشم الرفاعي ~ يرفل في رداء الإسلام لا يترك مناسبة إلا وكان النجم الأول فيها..
أمسياتٌ من الضياءِ وليلٌ
ساهرٌ عنده تجمّع قومي
في خشوعٍ لا يسمع المرء منهم
رفَّ في جُنحِه الإخاءُ وزَانَهْ
حول شيخٍ مُرتّلٍ قُرآنَه
غير همسٍ: سبحانه.. سبحانَهْ

غاص هاشم الرفاعي في بحور الأدب العربي.. كتب في القصة والمسرحية.. وله محاولات شعرية باللغة العامية.. وقد أُطلقت عليه العديد من الألقاب: البُحتري الصغير/ شاعر الإسلام/ شاعر الطبيعة/ شاعر العروبة/ معجزة الشعر العربي...
ملكنا هذه الدنيا قرونا
وسطّرنا صحائفَ من ضياءٍ
وأخضَعَها جدودٌ خالدونا
فما نَسِــيَ الزمانُ ولا نَسينا

أما قصيدته الخالدة (رسالة في ليلة التنفيذ) فقد كان لها الغَلَبة والدور القوي والفعال.. حتى إن الكثيرين لا يعرفون له إلا هذه الملحمة ــ والتي كتبها قبل أن يكمل 19 عاماً من عمره القصير.. ومازال الكثيرون يعتقدون إلى الآن أن (هاشم الرفاعي) كان معتقلاً وأبدع هذه الملحمة الخالدة (رسالة في ليلة التنفيذ) داخل زنزانته.. ولكنها في الحقيقة رؤية شاعر أبدعها وهو في حجرة منزله.. وقد ذهب بعض نُقّاد العربية إلى أن (رسالة في ليلة التنفيذ) من أفضل 10 قصائد عربية قيلت في الخمسين سنة الأخيرة.. وقال بعض المتحمسين إنها من أفضل 10 قصائد في تاريخ الشعر العربي الحديث..
أبتاهُ ماذا قد يخطُّ بناني
هذا الكتابُ إليكَ من زنزانةٍ
لم تبقَ إلا ليلةٌ أحيا بِها
والحبلُ والجلاّد منتظرانِ
مقرورةٍ ، صخرية الجدرانِ
وأحسُّ أنّ ظلامها أكفاني

ويحلّق (هاشم الرفاعي) في سماء الشعر بين التدين والفلسفة والوصف والهجاء...
ومِن العواصِفِ ما يكون هبوبها
إن احتدامَ النارِ في جوفِ الثَّرَى
وتتابعُ القطراتِ ينزلُ بعدَهُ
بعد الهدوءِ وراحة الرُّبانِ
أمرٌ يثيرُ حفيظة البركانِ
سَيْلٌ يليهِ تدفقُ الطوفانِ

يقول الدكتور/ ذكي المهندس ــ عميد كلية دار العلوم الأسبق: لو قُدِّر لهاشم الرفاعي البقاء لكان أشعر أهل زمانه.. بينما أجمع كل من الروائي (يوسف السباعي) والدكتور/ عبدالحكيم بلبغ ــ عميد سابق لدار العلوم، والدكتورة/طلعة الرفاعي والأستاذ/ شفيق جبري (سوريا) .. أن هاشم الرفاعي لو عاش لسن الثلاثين لغيّر مجرى الشعر العربي وسحب البساط من شعراء العربية قدامى ومحدثين.. بينما يؤكد الدكتور/ أحمد هيكل ــ وزير الثقافة الأسبق أن هاشم الرفاعي كان (مشروع أمير لإمارة الشعر العربي) .. أما أستاذه (علي الجندي) فيقول: لو عاش هاشم خمس سنوات أُخرى لفاق شعراء العربية قاطبةً... بينما يؤكد الكُتّاب (مجدي الشهاوي ــ المتبني لحياة الشاعر) ومحمد كامل حتة / ومحمد حسن بريغش ــ الأردن ) : أن هاشم الرفاعي كان مُعجزة شعرية يصعب تكرارها.
ثم اختنق المصباح.. وذبلت الزهرة.. ومات هاشم قبل أن يكمل 24 ربيعاً..
أنا يا بُنَيّ غداً سيطويني الغَسَقْ
لم يبقَ من ظلِّ الحياةِ سوى رَمَقْ

وقد قامت كلية دار العلوم بتأبين الشاعر في جلسة باكية ضمت أساطين البديع في مصر والعالم العربي يتقدمهم وزير المعارف المصري ونخبة من الشعراء يرثون فقيد الشعر الشاب.. أحمد هيكل / علي الجندي/ شفيق جبري .. وغيرهم .. واختتمت الدكتورة السورية (طلعة الرفاعي) الليلة الحزينة بقولها:
يا زهرةٌ لو أُمهِلَتْ ملأَتْ نوافِحُها الرحاب
لهَفِي عليكَ فهل يطولُ على الحِمَى منكَ الغيابْ

كان هاشم الرفاعي يميل إلى تأييد (محمد نجيب) .. وعندما زار الرئيس نجيب محافظة الشرقية لتوزيع الأراضي على صغار الملاك قال:
أملٌ تحقق في البلاد عسيرُ
لما أعيد إلى الكنانة مجدُها
قد كان في خلد الفقير يدورُ
وانجاب عنها الليل والديجُورُ

ص وقفــــــــــــة ..
لا أتفق مع الذين صبغوا ديوان الرفاعي وقصائده إلى ما يؤمنون به (هم) من أفكار.. فالأستاذ/ محمد كامل حتة في 1960 جعل منه شيوعياً.. والأستاذ/محمد حسن بريغش في 1980 جعله أصولياً.. والحقيقة أن هاشم الرفاعي في سنواته الأولى لم يكن سوى شاعر مبدع فقط.. يمتدح جمال عبدالناصر ثم يهجوه!

جمعتَ لنا كياناً ضاعَ بين الناسِ واضطربا
وكنا في تخبطنا نخاف الغربَ إنْ غَضِبا
فلولاك لأصبحنا فريسته إذا وثبا
وأشْهَدُ أن أهل الأرض قد عرفوا بك العَرَبا

ويقول في 18 يونيو 1959:
الآن صارَ الدهرُ طوع بنانهِ
فانهض بشعبكَ يا جمالُ فإننا
مدَّ الذراع لمجده ترحيبا
جئنا نردد عهدنا المكتوبا

ثم يقول في جمال عبدالناصر:
لو كان عهدك قبل عهد محمدٍ
لَلُعِنْتَ يا فرعونُ في القرآن

وأيضاً :
أو ليس مَن فاق الطغاة ضراوةً
أو ليسَ مَن صبّ البلاء مضاعفاً
أو ليسَ منكر كلَّ حقٍ حوله
وأحلَّ من حُرِّ الدماء حراما
وأثار للرعب البغيض قتاما
ولو استطاع لأنكر الإسلاما

وبالرغم من أن هاشم الرفاعي مات وهو محسوب على التيار الإسلامي إلا أنه من أشد وأقسى الشعراء الذين هاجموا دعوة الإخوان المسلمين..
في سبتمبر 1952 يقول في قصيدة (دعوة للجيب ) :
رهطٌ من الأطفال والصبيانِ
هم عصبةٌ للشر نعلم أنها
قالوا عليهم شعبة الإخوانِ
قامت على واهٍ من الأركانِ

الطريف أن هذه القصيدة تَبَرَّأَ منها كل المحققين لسيرة الشاعر وأسقطوها من قصائده.. إلا أن الأستاذ/ عبدالرحمن جامع الرفاعي ــ شقيق الشاعر ــ أوردها في كتابه.. وذكر أن شقيقه كان يهاجم أشخاصاً بعينهم من الإخوان.. كان قد اختلف معهم.. فكتب قصيدته الغاضبة..
يقول الرفاعي في الإمام حسن البنّا :
ليلٌ تلألأ فيه نجمٌ يلمعُ
به الرياض عبيرها يتضوّعُ

ويقول في الإخوان:
فهناك جندٌ قام يسعى جاهداً
الله أكبر.. في الحياة نداؤه
لله درّ القوم إن نفوسهم
في الدين يقتلع الفساد وينزَعُ
يمشي بها نحو الخلود ويُسرعُ
لتشعّ بالحق اليقين وتنبُعُ

ويعلق الأستاذ (عبدالرحمن الرفاعي) على ذلك فيقول : (إن هاشم كان متعاطفاً مع التيار الإسلامي ، ولكنه لم ينضم إلى أي تنظيم سياسي أو ديني.. ) فهو من أسرة متصوفة تصوفاً سنياً وينتهي نسبه إلى الإمام أحمد الرفاعي مؤسس الطريقة الرفاعية..
إنّ المزايدة على الشاعر ووضعه في خندق الإخوان أو كفة الشيوعيين.. مجرد هراء فالرفاعي كان صوفياً ساند الوفد حتى قيام الثورة وظل يمتدح قائدها، ثم انقلب عليه ، ولم تكن له رؤية واضحة ، ولا أيديولوجية محددة، فهو مجرد شاعر موهوب فقط! .. أضرّت به المزايدات والمبالغات والتهويل في سيرته وطريقة موته.. والحقيقة أنه مات في ملعب كرة القدم بمدرسة أنشاص الإعدادية بعد أن طعنه أحد الأشخاص إثر مشادة بينهما وتنافس على رئاسة مجلس إدارة مركز الشباب..
كان الأتوبيس قد وصل إلى ميدان رمسيس .. لم أنتبه .. يودعني صاحبي الجديد.. وبعد أن عرفت أنه أحد أفراد عائلة الشاعر ، تبادلنا العنوان ورقم الهاتف.. هبطت من الأتوبيس .. قررت أن أترجل.. نفق شبرا خلف ظهري والباعة المتجولون على يميني يثيرون الضجيج على الضجيج في موقف (أحمد حلمي) وعلى اليسار بائع الصحف على ناصية (جزيرة بدران) .. أذان المغرب يعانق الكون.. يدي تطبق على كتاب هاشم الرفاعي.. أسير في خط مستقيم كعادتي .. أذوب في أكوام البشر.. أكتاف قانونية وغير قانونية أتلقاها.. ويدي تحكم الحصار حول الكتاب .. عيني تقع على إعلان ضخم يبشر الشباب بحل أزمة الإسكان وأن سعر الشقة لن يتجاوز 120 ألف جنيه .. وهنا سقط الكتاب من يدي!!!


أموال مصر.. أين ذهبت

عندما مات أبو بكر الصديق وأصبحت قيادة أمة الإسلام في يد الفاروق عمر .. جاء (عُيَيْنَة بن حصن) ــ أحدالمشركين ــ إلى أمير المؤمنين يطلب حقه في سهم (المؤلفة قلوبهم) فرفض عمر.. فقال له (عيينة) : أنت تمنعني شيئاً كان رسولكم وأبو بكر يعطيانني منه؟ فقال فارس الإسلام عمر بن الخطاب : (نعم كان ذلك أيام أن كان الإسلام لا شوكة له.. أما الآن.. فليس بيننا وبينك إلا السيف إذا مرقت ) .. وكان سهم (المؤلفة قلوبهم) يُمنح لبعض الناس لجذبهم إلى الإسلام أو تحييدهم واتقاء شرهم..
ومن صدر الإسلام إلى مصر المحروسة.. يبقى السؤال الذي حيّر كل المتابعين وذوي الألباب طيلة نصف قرن.. أين ذهبت أموال مصر؟ وأين ذهبت أموال وجواهر وقصور أسرة محمد علي ؟ .. هل وزعها الثوار على المارقين والقراصنة وكل مَن جاهر بعدائهم.. لجذبهم للثورة أو اتقاء شرهم؟!!
لقد قالوا لنا: إن الثوار عندما استولوا على الحكم في 1952 كانت مصر دائنة لبريطانيا بـ 14 مليون جنيه.. ثم بعد فترة قالوا إنها أربعة ملايين فقط.. وليست تلك هي القضية.. أربعة ملايين .. أو قروش.. المهم أن بريطانيا كانت مديونة لنا !!! وفي 1952 كان الغطاء الذهبي للنقد المصري (466) طناً من الذهب.. وفي بداية حكم السادات كان هناك (16) طناً من الذهب ، فأين ذهبت باقي الكمية (450) طناً ذهبياً ؟ .. وأين ذهبت مئات القصور التـي كان يقيم فيها أفراد أسرة محمد علي .. فالقصور الآن لا تزيد عن أصابع اليدين في القاهرة والإسكندرية.. تتبعوا يا سادة مسيرة رجال الثورة .. الأبناء .. والأحفاد الآن.. وستعرفون أين ذهبت القصور ومَن هُم المماليك الجدد الذين ظهروا على السطح.. اعرفوا أسماء مليونيرات مصر الآن .. وأثرياء المحروسة .. ستجدونهم كلهم أبناء ضباط ثورة يوليو وأحفادهم وأقاربهم.. أين ذهبت مجوهرات أسرة (محمد علي) التـي ملأوا منها حجرات ــ كما قال بعضهم في مذكراته ــ وأين ؟ وأين ؟... فالعجلة مستمرة رغم جهود بعض رجال الدولة الصادقة في وقف نزيف أموال مصر.. رغم جهود المخلصين .. يخرج رئيس الوزراء ليبشرنا أن حصيلة بيع الشركات 10.07 مليار جنيه .. منها 2.3 مليار للمعاش المبكر و3.5مليار للعاملين لسداد ديون الشركات.. و4.2 لوزارة المالية .. يعني مصر اتباعت بـ 4.2 مليار .. يا بلاش.. مين يشيل؟
أين تذهب أموال مصر؟ فنحن نتصدر قائمة إنتاج الغاز الطبيعي.. والسابع في البترول.. بالإضافة إلى السكر والأرز والتمر والملابس القطنية .. كل هذا الإنتاج المصري يغزو العالم.. عائد قناة السويس.. الملايين التـي تدخل في خزائن المرور يومياً.. الضرائب.. التليفونات.. المواصلات.. كل هذه المبالغ الطائلة التـي تُجمع من المصريين.. أعلى نسبة جمارك على مستوى العالم في مصر.. المطارات.. المواني .. الثروة السمكية.. الإنتاج الزراعي.. السياحة.. الثروة المعدنية المتنوعة والهائلة..
كل هذا ويبقى السؤال .. أين تذهب أموال مصر؟ لقد استولت الحكومة على معظم أموال التأمينات لتسديد مرتبات الموظفين ! .. فهل نُزعت البركة من إنتاجنا وأموالنا؟! فالفقير إلى الله ليس خبيراً اقتصادياً .. لكنني مواطن مصري يريد أن يعرف ويفهم.. أين تذهب أموالنا.. وأين الملايين التـي جمعوها منذ عدة سنوات لسداد ديون مصر التـي تضاعفت؟!! هل هي السرقة ؟ أم التبذير ؟ أم كلاهما؟ فالجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء يقول: إن الاقتصاد القومي يخسر 30 مليار جنيه سنوياً بسبب تجارة المخدرات (الأهرام 4/3/89) .. كما يتم إنفاق ما يقدر بـ 250 مليون جنيه في ليلة رأس السنة.. وحوالي 315 مليون جنيه في أطعمة الكلاب والقطط وأشياء تافهة أخرى!! وقد ذكرت جريدة الشعب في 1/2/1992م أن الجماهير العربية أنفقت 64 ألف مليون دولار على الخمور والمخدرات في ذلك العام.. أما حكاية بلاط الأرصفة الذي يتم تغييره كل عدة أشهر لسبب لا نعلمه فهي تدخل في نطاق مسرح العبث واللامعقول .. وربما لتسلية الجماهير المقهورة.. وفزورة ترميم الجامع الأزهر تجعلك (تلطم) على وجهك حتى يطلبوا لك القميص الأبيض بأزراره الخلفية.. شوية أسمنت وجير لترميم المسجد بـ 300 (ثلاثمائة) مليون..... دماغي!
أما السادة المستشارون في الوزارات المختلفة ــ ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم ــ فهم أشبه بالأساطير .. ولا تملك إلا أن تطلب من والدتك أن تدعو لك كي تصبح مستشاراً في يوم من الأيام.. فالسيد المستشار حاجة كده شبه خيال الحقل.. يأتي الوزارة ليشرب القهوة أو لا يأتي على الإطلاق إلا في نهاية الشهر كي (يلهف) ما يزيد على عشرة آلاف جنيه.. وأي واحد من (الكبار) بعد أن يخرج للمعاش يطلب من صديقه أو نسيبه الوزير أن يبقى مستشاراً كي
يعطيهم خبرته!!.. فنجد مثلاً وزارة المالية بها 88 مستشاراً تزيد مرتباتهم شهرياً على المليون جنيه.. هذا في وزارة واحدة فقط.. لأنني لو تحدثت عن وزارة الزراعة فربما تقذف بهذا الكتاب بعيداً..
وإذا تحدثنا عن (شهادات محو الأمية) التـي يتم بيعها علناً أو المبالغ التـي تُدفع للتعيين في البترول والكهرباء والتليفونات.. فأرجوك لا تغضب.. فقد قُمت بمغامرة طريفة للعمل بوزارة البترول.. واكتشفت ما لا يخطر على بال.. ووجدتني أصل إلى مشارف حقل ألغام فانسحبت مرعوباً وأنا أردد:
الجبن حكمة.. أرجوك لا تسأل عن أموال مصر .. فقد بُح صوت الشرفاء وذوي الضمائر السامية.. ورحلوا دون أن يعرفوا إجابة السؤال .. وتكسّرت أقلام وأُغلقت صُحف.. وبقي المخلصون من الأحياء يرفعون شعار (السؤال لغير الله مذلّة) .. فلا تسأل.. فقد مات ضباط ثورة يوليو الذين يعرفون سر الذهب والقصور والأموال التـي اختفت.. وماتت القضية..

وعندما طَرحتُ هذا السؤال على (الدكتور المشاغب) !!: أين ذهبت أموال مصر؟
نظر إليّ وهو يضحك بصوته الأجش وقال: يـحمّــوك في كنكة...

أيام فى الجامعة الأمريكية

وبعد أن لملم منتدى الشباب العربي بالجامعة الأمريكية (Tac) أوراقه العربية والبحث بين السطور عن هويتنا التائهة بين موجات المد والجزر، وحالات التقدم والانحسار لأنها بطبيعتها حركة أمة، وارتباط شعوب.. وروح الأمم لا تنتهي كما أن الشعوب لا تفنى.. قد تتغير المسميات أو تتبدل الكيانات السياسية والأشكال الدستورية.. ولكن (ذات) الأمة لا تغيب كما أن وجودها لا يتحول إلى عدم..
وتظل أزمة الهوية لغزاً صعب التفسير وقصة قادمة من العصور الوسطى عندما تصبح أزمة شخص.. بين الانحلال والرجعية.. الجمود والقفز فوق حصان القرن القادم.. لكن تبقى روح الشباب العربي التي تشدك إلى آفاق التفاؤل وقراءة وجه الشمس..
أزمة رأفت الـميهي :
عندما تشرفت بإدارة ندوات المؤتمر لم أكن أتخيل أنني سأدير محاضرة يطالب محاضرها الشباب بالفجور العام ولا أدري هل كان يظن المخرج رأفت الميهي أن شباب الجامعة الأمريكية سيصفقون له ويحملونه على الأكتاف
عندما أطلق صواريخ أفكاره الخاصة وكادت تحدث كارثة في المنتدى..
لقد تحولت المحاضرة إلى (أزمة رأفت الميهي) وأفكاره المتحررة جداً. فالرجل يطالب بالحرية الجنسية في وسائل الإعلام!!! وقال بكل بساطة (وإيه يعني)
هذا هو الحل الأمثل لمشكلات الأمة والخروج من الكبت لننطلق نحو آلة الإنتاج الضخمة!! (يجرا إيه لو شفت واحد وواحدة ........... ) .. وهنا تتحول الندوة إلى مشاجرات كلامية، وكاد الأمر أن يخرج من يدي وأنا أدير اللقاء بعد أن رد شباب الجامعة على المخرج بعنف ووضعوا أمام عينيه الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تصد جموحه الكلامي فاندهش الرجل من الثقافة الدينية للشباب الذي كان يظنه (أمريكياً) .. ثم يقفز بعدها إلى الهجوم على المخرج حسام الدين مصطفى، وقال إنه يقود هجمة فاشية على السينما العربية .. أما المخرجة إيناس الدغيدي ــ مخرجة أفلام العُري والدعارة ــ فقال عنها الأستاذ رأفت الميهي : إنها من أفضل المخرجين السينمائيين ، وأنها صاحبة رؤية متميزة ، وقد هاجم رأفت الميهي الفنان عادل إمام وقال: إنه لم يمثل بعد.. وعندما قاطعته تدارك الموقف وقال إن قدرات عادل إمام أكبر من كل أفلامه التي قدمها.. وكانت آخر صواريخ الميهي في المحاضرة مطالبته بحكومة تؤمن بالعلم وقال إننا كعرب لا نملك إلا حق النباح..
كوميديا يوسف عوف :
على النقيض تماماً كانت محاضرة المبدع والمهذب جداً الأستاذ/ يوسف عوف ــ مصنع الضحك المصري ــ والذي رفض في البداية أن يجلس على (المنصة) حتى يكون وسط الشباب ولكن أمام إصراري قام المبدع يوسف عوف ليجلس بجواري ساخراً كعادته: يعني هتقول إيه يعني..
اتهم يوسف عوف مسلسلات التليفزيون بالسذاجة والسطحية وأنها استطاعت أن تصيب المشاهد بهذه الأمراض!!
وقال عن الكوميديا العربية إنها مصرية الطعم والدم، وأنه تعامل مرة مع إحدى البلاد العربية لكتابة مسلسل كوميدي فكانوا يحذفون كلمة (روح يا شيخ) .. يشيلوا (شيخ) .. وضجت القاعة بالضحك وخاصة الشباب العربي والذين طالبوا الأستاذ يوسف عوف بتفادي مثل هذه الأشياء من أجل المشاهد العربي.
وعندما سأل أحد الشباب يوسف عوف عن مشكلات الخروج عن النص قال ساخراً: وهو فين النص اللي هيخرج عليه الممثل أصلاً.. وعن إجابته على سؤال يخص مسلسل (امرأة من زمن الحب) للفنانة سميرة أحمد شقيقة زوجته خيرية أحمد ؛ قال : إنه لا يتفق مع أسامة أنور عكاشة في محاولاته لطمس إنجازات الرئيس السادات والهجوم الدائم عليه لأسباب شخصية..

أستاذ الأدب العربي والخروج على النص:
الأستاذ الدكتور/ محمد حسن عبدالله ــ عَلَم من أعلام الأدب العربي ــ وعندما جاء في موعده قبل التاسعة صباحاً في يوم الجمعة وجد بالقاعة 5 أفراد فقال لي : (أنا هحاضر للكراسي واللا إيه ؟ إنت مُنسّق محتاج مُنسّق) والدكتور محمد حسن عبدالله رجل خفيف الظل .. كلماته لاذعة.. وعندما تحدثت معه قبل الندوة التي كان يشارك فيها الشاعر (خالد أمين) رئيس نادي الأدب بقصر ثقافة روض الفرج ــ اختلفنا حول قضية دينية شائكة فَضَحَتْ علمانيته المستترة.. وقد أثرى الندوة ــ رغم قلة الحضور في الصباح ــ وقال إنه لا يمكن
إغلاق الحدود الأدبية أمام الحدود السياسية ومنع التأثير والتأثر.. وعن الشعر قال: إن الشعراء قبل ثورة يوليو كانوا يعرفون ما يقولون (مولد الملك/ زواجه/ جلوسه على العرش) وهكذا ؛ لكن بعد الثورة أصبح هناك 40 ملكاً وظل يردد المقولة الغربية (الليث عدة خراف مهضومة) .. وتطرق الدكتور للانكسار العربي بعد هزيمة يونيو والذي مازلنا نجني ثماره للآن..
ويستكمل معه الشاعر (خالد أمين) والذي كان متضايقاً لقلة الحضور في الندوة ــ تاريخ الشعر العامي المصري ، وقال إن العامية هي لغة المباشرة ــ أي لغة الشارع ــ وأن أمي بتصحيني الصبح تقول لي : (قوم دي الشمس بتحبي على الحيط ) .. وسرد الشاعر خالد أمين حكاية العامية من (ابن عروس) حتى (فؤاد حداد) ، ثم تطرق لصلاح جاهين والذي ارتقى بالعامية في شكل رباعيات :
سرداب في مستشفى الولادة طويل
صرخات بُكا ورا كل باب وعويل
وفي الطريق متزوقين البنات
متزوقين للحب والمواويل

عُكاشة وبكري:
في الحفلة الافتتاحية بقاعة (إيوارت) أمسك الأستاذ/ مصطفى بكري بالأوراق في يده وظل يقرأ منها كخطيب مسجد القرية في الأربعينيات.. وتطرق لموضوعات بعيدة تماماً عن أزمة الهويّة ولا أدري ما دخل فستان مونيكا بقضيتنا .. ومع احترامي للأستاذ/ مصطفى بكري ــ إلا أن الأخطاء النحوية الواضحة جداً في حديثه أخجلتني وأتمنى أن يتفاداها مستقبلاً.. والأستاذ/مصطفى صعيدي جدع ، وعندما دعوته أنا وزميلي (أيمن هدهود) في مكتبه بجريدة الأسبوع لمنتدى الشباب العربي رحب الرجل.. وكانت جريدته من أكثر الإصدارات تغطية للمنتدى.. أما أسامة أنور عكاشة فقد تكلم ببساطة عن أزمة الهوية العربية بلهجة عامية تحسب عليه هنا في مؤتمر عربي..

د/ أيمـن نـــور :
كعادته دائماً مثير للجدل رغم هدوئه وقد كان للقفشة الحقيقية التـي قالها في محاضرته أثرها وظلت تتردد بين الشباب ورددها معظم المحاضرين في الندوات وعلقوا عليها ، وقد قال أيمن نور: إنه يأتي باثنين مخبرين ليحضرا مؤتمراته الحزبية بعد أن سأم الاستدعاءات إلى النيابة بعد كل مؤتمر حزبي حتى إنه أصبح صديقاً للمخبرين ويقوم بإراحتهم فيستدعيهم بنفسه ليسجلا ما يقول حتى يرتاح هو من عناء الاستفهامات في النيابة.. وهنا تحولت القاعة في المحاضرة السياسية إلى مسرح فكاهي يضجّ بالضحك .. وهكذا أيمن نور يسرق الأضواء أينما ذهب..

رئيس وزراء مصر الأسبق:
الدكتور/ عبدالعزيز حجازي رئيس وزراء مصر الأسبق ــ وفي فترة من أصعب فتراتها حتى خرجت الجماهير في 1973 تقول (حجازي بيه يا حجازي بيه كيلو اللحمة بقت بجنيه) .. ولو كانت تلك الجماهير تعرف ما سوف تصل إليه أسعار اللحوم الآن ... المهم .. تناول الدكتور حجازي مستقبل الاقتصاد العربي في ظل النظام العالمي الجديد، وعندما ذكر كلمة اقتصاد إسلامي انتقل الموضوع تماماً إلى الشاطئ الآخر وكان هجوم الاستفسارات من الطلبة والطالبات عن مستقبل الاقتصاد الإسلامي حتى إن الدكتور عبدالعزيز حجازي اندهش وقال : لماذا تركزون على هذه النقطة فقط..
وقد أعلن د. عبدالعزيز حجازي أن الانفتاح بدأ على يده في عهد جمال عبدالناصر.. عندما كان وزيراً .. ولكن صورته لم تكتمل وتتفعل إلا في عهد السادات.. عندما كان د. حجازي رئيساً للوزراء..

الشباب العربي هو الحـل:
حميمية اللقاء كانت أجمل ما في منتدى الشباب العربي.. تجعلك تشعر بقيمة الدم وأنه لا توجد هناك أزمة هوية عربية مادام هذا الشباب المثقف والرائع يعزف على أوتار القلوب الـمُحبة وكما قال الشاب الموريتاني في حفل الختام (إن أشد ما يحزنني أنني لن أرى هذه الوجوه غداً ).
ويلملم المؤتمر أوراقه لكن تبقى في جدار القلب سطور الصحبة.. الشباب الموريتاني الذي بهرني بثقافته وهو القادم من هذه البلاد المنسية.. (مصطفى ) و(بيت الله) .. وغيرهم .. والموسوعة الفلسطينية المتحركة (زينات أبو شاويش) والمثقفة الرقيقة (أروى) اليمنية.. وشباب مصر الرائع..
وبعد.. فمن أجل أمة عربية فاعلة تمارس دوراً حضارياً في عالمنا المعاصر.. أمة عربية قادرة على أن تبرأ من رنين اللفظ حتى لا يصفها الغير بأنها (ظاهرة صوتية) .. أمة صادقة مع نفسها.. تقول ما تؤمن به .. حتى لا يتهمها الآخرون بازدواج الشخصية.. أمة إيجابية تسعى إلى الأخذ والعطاء مع الدنيا من حولها دون تعصب أو انحياز ودون عفوية أو اندفاع..
من أجل ذلك كله كان منتدى الشباب العربي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
Arab Youth Forum (AYF).

أزمة الشعر

كثرت في السنوات الأخيرة الدعوة إلى الانفلات من قيود الوزن والقافية – كما يسميها البعض – ولم تكن هذه الدعوة وليدة اليوم .. فهي تعود إلى العصور العباسية الذهبية عندما حاول بعض الشعراء التبرم من القوانين التـي تحكم الشعر.. حتى إننا نجد عالم العربية الجهبذ .. الواعي لدقائقها في النحو والصّرف والبلاغة وما إليها .. والشاعر المتمكن من أدواته.. نراهم إذا عُرض أمر يتعلق بالعَروض .. يدخل الواحد منهم في حديث آخر أو يستعرض عضلاته الثقافية في قضية أخرى حتى لا يظهر جهله بهذا العلم الذي يعتبر أصعب علوم العربية على الإطلاق .. علم العَروض..
لكن هل الدراية بهذا العلم تصنع شاعراً ؟! أجاب (الخليل بن أحمد الفراهيدي) بنفسه إجابة عملية على هذا السؤال.. فقد فشل في أن يكتب الشعر وهو الذي أسس علم العروض ووضع الأُطُر والقوانين المنظمة للشعر العربي.. أما الشعر الجديد والذي أطل علينا في الأربعينيات بعد أن خاض معارك ضارية لم يعد منطقة صراع ساخنة بين أتباعه وأنصار القديم.. فلقد استوت الأرض تحت قدميه واستقام عوده.. ودانت له الصفحات في جبهات شاسعة من الوطن العربي.. وأدى تحرر الشعر من صرامة قيود القديم إلى فتح الأبواب على مصاريعها لكل من هبّ ودب، متطفلاً على موائد الشعر.. وهذا ما حدث بالفعل.. فنحن نفاجأ كل يوم بزحف من الجراد التي أُلصقت بها صفة الشاعر!! تقرأ لهم فتصطدم بالحقيقة المذهلة.. كيف يكون هناك (شاعر) على غير معرفة بجماليات اللغة ، ودون علم العَروض ؟! وتلك هي المصيبة التي أَلَـمَّتْ بحركة الشعر في السنوات الأخيرة وهي ليست مصيبة هؤلاء المتطفلين (الحداثة وما بعد الحداثة) أنفسهم.. المصيبة الأدهى في أنهم يجدون لهذا الغثّ مَن يحتفي به ويخدع القرّاء .. فقد جاء هذا الجراد من المجهول يتمردون على الدين وثوابت المجتمع وأصبحنا نسمع عن قصائد الشذوذ والجنس والبراز !!! وقصيدة الطلاسم والحجاب..
ورأينا الناقد المفتون بذلك يقول:
- (إنه التمادي في التمادي.. والغموض المركب في الغموض بالغموض).
- (الشاعر الحداثي يُحاول أن يحقق صورة عن العالم مكتنزة الدلالة وممتلئة بمعانٍ لا تستنفذها الأزمان.. وهو حين يدخل عتامة الغموض والتركيب فإنما يفعل ذلك وعياً بضرورة أن تكون قصيدته علامة تدل على العالم وتفعل فيه).
- (قصيدتك خلعتني من جو الصحو المكشوف إلى جو الغموض الخلاق)..... يجيبوك من على الحيط بشبشب!!
ونترك مستشفى الأمراض العقلية ونعود إلى عالم الشعر.. فالشعراء الآن ينقسمون إلى :
1) الشعر العمودي: في المعلقات والمتنبي وبشار بن برد وغيرهم إلى شوقي وحافظ ومحمود حسن إسماعيل ومطران والبيروني..
2) شعر التفعيلة: نازك الملائكة والسياب والبيّاتي وأمل دنقل وصلاح عبدالصبور وعبدالمنعم عواد يوسف...
أما شعراء الحداثة والحُرّ فقد مزجوا بين التفعيلة القديمة والحديثة، مثل: محمد عفيفي مطر... وأحمد مخيمر.. ونزار قباني ، وغيرهم.
ص شعراء تمردوا على التفعيلة :
فهم مجموعة من الجراد هجمت على ربيع الإبداع العربي لا صلة لهم بالشعر أو النثر.. وهم أكثر من الهمّ على القلب..
لكن الحقيقة أن هجوم بعض شعراء القصيدة العمودية على الشعر الجديد كان خوفاً من فضح مستواهم الحقيقي ، وقد حدث هذا مع بعض التراثيين عندما حاولوا كتابة الشعر الجديد .. مثل: د. أحمد هيكل .. وفاروق شوشة.. وغيرهم. فوجدنا مستويات هزيلة.. مثل : (يقوم الدم العربي).. وأعمال د.هيكل الأخيرة... وعبدة الصنم الخليلي كانوا وراء تدهور الشعر.. فلم يطوروا أنفسهم وحاربوا الآخرين وهم في أولى مراحل التطور.. فأصبحت قصائدهم مُتْحَفِيَّة لا تناسب إيقاع العصر .. فماذا لو طوروا أنفسهم وحافظوا على ثوابت الشعر ؟! .. لكن يبقى أهم ما في الموضوع .. إذا كان الشاعر يعزف شعره على بحر معين – أي على نوتة البحر .. لماذا لا يكون الشاعر هو موسيقار القصيدة؟ والسؤال للشاعر/ جميل عبدالغني .. لماذا لا يكون هو الموسيقار والموزع؟ وكانت الإجابة هي أن تكون تفعيلات البحور الخليلية الثمانية والتي يتكون منها الستة عشر بحراً (فعولن/ فاعلن/ متفاعلن/ مفاعيلن/ مفاعلتن/ مفعولات/ مستفعلن/ فاعلاتن) فلنعتبر أن هذه التفعيلات (سلم موسيقي) لموسيقى الشعر وعلى الشاعر أن يؤلف منها ما يشاء ألحان قصيدته دون الالتزام بالعزف على بحر معين.. وليس في هذا جديد.. فهذه التفعيلات هي التي تخلق موسيقى الشعر.. والشاعر هنا يقوم بدور العازف على نوتة البحر الذي اختاره.. لكن حينما يطلق لنفسه العنان ويأخذ من التفعيلات السابقة ما يشاء ويترك ما يشاء.. هنا يكون قد تغير دوره من دور العازف لموسيقى القصيدة إلى موسيقار القصيدة التي يؤلف ألحانها ويوزعها كما يشاء.. فبحور الشعر ليست حكماً بالحَجْر على الاجتهاد والتجديد..
ص الشعر والقصيــدة:
يقول الدكتور/ مدحت الجيار.. إن أي عمل أدبي جمالي يمكننا أن نطلق عليه (شعراً) سواء كان نثراً أو تفعيلة أو غيره.. أما (القصيدة) فهي تلك الملحمة الإبداعية المنضبطة والملتزمة بالإيقاع والعروض والأساسيات التي ورثناها من التراث..
ص التجديد ضــرورة:
وضعت الشاعرة (نازك الملائكة) في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) 22 بحراً جديداً .. ووضع الدكتور/ أحمد مستجير في كتاب (الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي) 26 بحراً شعرياً جديداً... والسؤال الذي أطرحه لعبدة الخليل والصنم الشعري القديم: هل توقفت عقليتنا الشعرية عند هذا الحد من الإبداع ولن نستطيع أن نتجاوزه إلى حيث التغني بأنماط موسيقية جديدة لم يسبق أن جمعها ووعاها ما سلف من شعرنا العربي.. وبالمعايير ذاتها التي أَلِفَتْهَا الأذن العربية.. مثلاً : (متفاعلن مفاعلتن فعولن/ متفاعلن مفاعلتن فعولن) والذي ابتكره الشاعر الشاب/ خالد البيلي في (يا قدسُ أنتِ للعرب – ولأنتِ غايةُ الطلب) وأطلق عليه بحر القدس.. ثم (فاعلن / مفاعيلن / فعولن) ( لاإله إلا الله ربي – خالقي أناجيه بقلبي) وأطلق عليه بحر التوحيد..
وإذا عدنا للوراء قليلاً سنجد التفعيلة الفارسية في كثير من شعر أحمد رامي.. وفي التراث (حكمَ فعدلَ فأمنَ فنام) فاعل/ فاعل/ فاعل/ فاعل... أو (قطتي نميرة – اسمها سميرة) فاعلنٌ فعولن.... بالإضافة إلى الموشحات الأندلسية (لحظك وسنان ــ قدك فينان ــ حسنك فتّان ــ يا غصن البان ــ أرحم ولهان ــ هجرك أشجان ــ حبك سلطان ــ يا غصن البان) وكلها تفعيلات ليست موجودة في بحور الخليل والأخفش.
وأنا عندما أقسو على شعراء العمودي والتفعيلة لأنهم حائط الصد وحماة القريض حتى لو اختلفنا مع بعض آرائهم .. أما جراد الحداثة والإباحية فليس له إلا المبيدات الحشرية.. فبحور الخليل ليست عقائد أو ثوابت مقدسة.. وعلينا أن نطورها قبل أن يتجاوزنا الزمن وندخل في متاهة اللا عودة..
وكما يقول شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام :
تسقط الوسائل بسقوط المقاصد


محطات

أثناء الحوار الذي دار بيني وبين المذيعة المتألقة بثينة كامل في مكتب الأستاذ جمال عبدالسميع (رئيس تحرير جريدة العروبة) قالت: (إن كثيراً من مفاهيم المجتمع لابد أن تتغير حتى ننطلق إلى مرحلة قادمة وقرن جديد لن يرحم).. قفزت كلمات بثينة على خارطة ذاكرتي بعد أزمة موضوع عن اليهود ــ قبل الطبع ــ ولا أدري هل أصبحت تعرية هؤلاء الصراصير جريمة؟ ما هذا التهريج؟ ولمصلحة من ؟! فالألفية الثانية لملمت أوراقها من على المائدة الأرضية لتفسح الطريق لقرن التحولات الكبرى ونحن مازلنا نسبح في مستنقع الذاتية وأوهام المجد على حائط المبكى العربي .. أية مفاهيم ؟ .. مفاهيم إيناس الدغيدي أم حركة طالبان ؟ .. ربما ترزية التأريخ ، وكتابة المذكرات؟!
لقد اختلطت المفاهيم وتبدلت الأدوار ولكن الشيء المهم الوحيد في هذه الحياة أن يكون المرء راضياً عن نفسه، متصالحاً مع ضميره.. ومادون ذلك ليس بمهم.. إننا (نتفنن) في قتل مواهبنا النادرة في شتى المجالات.. اعتزل عبقري مصر (الدكتور/ جمال حمدان) الدنيا حتى مات بطريقة غامضة.. وتركنا (العيال) ينهشون في لحم الأثري العظيم (أحمد قدري) فترك لنا الحياة بما فيها.
ووقفنا نشاهد فيلم اغتيال (طاهر أبو زيد) أفضل من لعب كرة قدم في تاريخ مصر.. والقائمة أطول من نهر النيل .. فَلِمَ العجب إذن بعد أن امتطى أحفاد أبي جهل صهوة الإعلام.. يشوهون تاريخ مصر في مسلسلاتهم الساذجة التي يكتبونها؟ .. يجعلون من هزيمة 67 نصراً .. ويحيلون أكتوبر العظيم إلى نصر (مفبرك) .. يتطاولون على الرئيس السادات صاحب النصر الوحيد للعرب من بعد (محمد علي) .. يسخرون من رجال الدين في حكاياتهم الباهتة،ولا يظهروهم إلا في صورة (تُنَفِّرك) منهم بعد أن نصب الواحد منهم نفسه مفتياً للديار التليفزيونية .. يجعلون من اليهود إخوة.. ومن الثوابت وجهات نظر.. ماذا يريد هؤلاء؟ حقاً لقد تمخض التليفزيون فأنجب (مؤلف مسلسلات)!!
ص هناك شخصيات على الساحة صنعها الإعلام ولكن هناك (رجال) صنعوا الإعلام.. والفارق شاسع والهوة كبيرة.. فالصنف الأول التقيته خلال عملي في الصحافة.. يقولون ويكتبون ما لا يفعلون.. تنبهر بحديثهم وتأسرك رؤيتهم ــ وكما قال أستاذ البشرية محمد ص : ( إنّ من البيان لسحراً) .. ولكن القلوب ميتة والأيدي ملوثة.. لقد دخلت قصور بعض رجال الدين ورأيت أحد الشيوخ الذين يملأون الساحة ضجيجاً لا يهتم بالصلاة.. والصحفي الكبير الذي تجاوز الستين ويتخاطب مع المحررين بألفاظ يعاقب عليها قانون الآداب بالرغم من أنه (يدبّج) مقالاته بأعذب الألفاظ وينادي بعودة القيم والمثل والأخلاقيات .. وآخر تحدث معي عن حقيقة أموال أسرة (محمد علي) وأين ذهبت.. وهو يمتلك أسطولاً من السيارات الفارهة جداً.. وفي 1995 قال لي أحد رؤساء الجامعات ــ وقد أصبح وزيراً الآن ــ كلاماً يمنعني قانون النشر أن أذكره.. وها هو الآن يقول ويفعل عكس فتاويه وآرائه السابقة .. فلا تنبهر بكل ما تسمع وتقرأ .. فقد انتهى زمن الفرسان .. ونحن نعيش الآن في زمن الحمير المخططة!!!
ص تناولت حبوب ضغط الدم العالي هذا الأسبوع عندما قرأت أن
إحدى الشركات المصرية قامت باستيراد أحذية للكلاب.. نعم للكلاب.. وليت مدير هذه الشركة يأتي معي في نزهة إنسانية ليرى النائمين
تحت الكباري والملتحفين بالسماء فوق الأرصفة والمتسولين وحالات
الفشل الكلوي والسرطان، وملاجئ الأيتام وليرى الأُسر
المصرية التي تعيش تحت خط العدم... روح يا شيخ.. يشفي
الكلاب ويضرّك!
ص يولد المصريّ أهلاوياً.. شعار يردده مسئولو الجبلاية قبل الأكل وبعده!
ص لماذا تفتتح إذاعة إسرائيل إرسالها اليومي بالقرآن الكريم؟ سؤال أبحث له عن إجابة منذ سنوات.. مَن يعرف الحل له جائزة من عندي.. تليفزيون
لا يذيع إعلانات.. وصحيفة حكومية ليس بها أي منافق..
ص قالت الزوجة لزوجها: أريد أن أتعلم الغتاتة.. قال لها: تعالي في الفارغة وتصدري.. قالت :أريد أن أتعلم الهيافة.. قال لها: ما تقوليه تكرريه وتعيديه .. قالت : أريد أن أتعلم البلاهة.. قال لها: خليكي مبتسمة بسبب وبدون سبب.. قالت: نفسي أتعلمهم معاً في ضربة واحدة.. قال: روحي اشتغلي مذيعة في التليفزيون المصري!!
عندما يتبرع أحد أمراء الخليج بأربعة ملايين دولار لإحدى حدائق الحيوان بـ(لندن) .. يجعلنا نقترح وضع (يافطة) على مخيمات اللاجئين في بلاد العالم .. يُكتب عليها ( ...................... ) !!
صدق أو لا تصدق.. في مصر 17 حزباً .. أتحداك أن تعرفهم.. فالعبد لله
لا يعرف إلا حزب الأهلي ، وحزب الزمالك .. وحزب وداد قلبي يا بوي.
عندما ينسب بعض الناصريين نصر أكتوبر لجمال عبدالناصر
فمن حق اليهود أن يقولوا إنهم بناة الأهرامات، وأن ينسب الريّس
(حَسَبَ الله) سيمفونيات بيتهوفن إلى نفسه ويطالب الريس (بعرة) بجائزة الأوسكار.. ويصبح طبيب أطفال فاشل وزيراً للتعليم.. وأن تلد
البقرة بغلاً!!
قنوات التليفزيون المصري.. أرضية وفضائية.. العدد في الليمون.
عندما تجد اسمك فوق (كوم) كلام لا تعرفه.. فلا تندهش.. فلست من الذين يكتبون أثناء النوم أو ينامون أثناء الكتابة.. وما عليك إلا أن تفعل مثلي بعد أن جمعت كل ما حذفه لي رؤساء التحرير الذين تعاملت معهم بحجة تجاوزي للخطوط الحمراء والفوشيا والبنفسجي.. وقررت تغيير موضوع الرسالة إلى (اجري يا ابن آدم جري الوحوش.. مهما تسرّح شعرك برضه منكوش).
منذ أن أطلّ د. يوسف بطرس غالي على الوزارة والنحس يرتع.. إفلاس في البورصة.. أزمة سيولة.. انخفاض في سعر الجنيه.. ركود في السوق.. هروب رجال الأعمال بمليارات البنوك المصرية.... أنصحك أن تذهب للست أم سحلول تعمل لك حجاب وتبخّرك.. طيب ما تهرب مع رجال الأعمال أحسن!!
تهتم الصحافة عندنا بالانتخابات الأمريكية والإسرائيلية بطريقة (تغيظ)
ولا أدري ما هو الفرق بين باراك وشارون أو شامير وبيريز.. وما الفرق بين ريجان وبوش أو كلينتون وبوش الابن.. بيروح (.......... )وييجي (.......... ) فالاثنان فردتا حذاء..